يقبلون بالكوشير ويرفضون الحلال؟

 

 

 

خالد بن احمد العامري

bnmqbil@yahoo.com

 

 

في الوقت الذي يتوسع فيه السوق الإسلامي ليشمل أكثر من 1.9 مليار مستهلك حول العالم، لا تزال بعض الشركات الغربية تظهر ازدواجية في تعاملها مع المعايير الغذائية الإسلامية. فبينما تلتزم بدقة بمعايير الكوشير اليهودية وتضع شعاراتها على منتجاتها دون اعتراض.

هذه المفارقة تطرح سؤالًا جوهريًا: لماذا يقبل الغرب بالكوشير ويتهرب من الحلال؟ فهل هو منطق اقتصادي أم حسابات سياسية؟

من الناحية الاقتصادية، يفترض أن يشجع حجم السوق الإسلامي الشركات العالمية على اعتماد الحلال دون تردد. لكن الواقع يكشف أن القضية ليست اقتصادية فقط، بل سياسية وثقافية بامتياز.

فالغرب- وعلى رأسه الولايات المتحدة- يستخدم الاقتصاد اليوم كأحد أقوى أدوات السياسة الخارجية. ويتضح ذلك من خلال فرض العقوبات التجارية ورفع الرسوم الجمركية على دول لا تنسجم مع سياساته، والتحكم في منظومات التحويل المالي والتقنيات العالمية. وهذا يؤكد أن الاقتصاد يخدم القرار السياسي، وليس العكس. ومن خلال هذا المنظور يمكن فهم سبب الحساسية العالية تجاه منظومة الكوشير، مقارنة بالفتور تجاه منظومة الحلال.

القبول الواسع بالكوشير في الغرب لا يعود فقط إلى احترام المعتقد الديني اليهودي، بل إلى وجود جهات اعتماد موحدة، معايير ثابتة، وشبكات نفوذ راسخة داخل المؤسسات الاقتصادية الغربية.

أما منظومة الحلال، تعاني من تعدد الهيئات، واختلاف المعايير بين الدول الاسلامية، وغياب جهة مركزية جامعة، وتضارب في تفسير المواصفات والمعايير لمنتجات الحلال.

لعل أبرز تجسد لهذا الخلل: حظر الذبح الحلال والسماح بالكوشير فعدة دول أوروبية- مثل الدنمارك وبلجيكا- تفرضت قيودًا مشددة على الذبح الحلال بحجة "الرفق بالحيوان"، لكنها استثنت الذبح اليهودي (الكوشير) أو تعاملت معه بتساهل أكبر.

هذا الاستثناء يوضح بشكل مباشر أن المسألة ليست إنسانية بقدر ما هي سياسية تجاه جماعات معينة، وحتى الشركات العالمية تضع شعار الكوشير “K” أو “Kosher Certified” على معظم منتجاتها في أوروبا وأمريكا الشمالية، لكنها تتجنب وضع شعار الحلال “Halal” حتى لو كانت المكونات نفسها صالحة للحلال، وفي دول اخرى توجد قوانين تقيد الحلال لكن تمنح تراخيص خاصة للكوشير، بما يعكس أن الأمر يتعلق بـميزان قوة وليس بمعايير صحية أو بيئية. هذه الأمثلة لا تترك مجالًا للشك: أن المسألة ليست دينية أو صحية، بل سياسية وتنظيمية في المقام الأول.

وعلى الرغم أن المسلمين يمثلون أكثر من ربع سكان العالم، إلا أن صوتهم الاستهلاكي لا يزال غير منظم. فالشركات في الغرب تدرك أن تجاهل الكوشير قد يسبب لها أزمات سياسية وإعلامية، بينما لا تخشى ردود فعل مماثلة من المستهلك المسلم. أي أن المشكلة ليست في المنتجات، بل في هندسة القوة وغياب المنظمات الاسلامية الفاعلة لدفاع عن حقوق المسلمين في الغذاء الحلال.

الحل يكمن في توحيد منظومة الحلال تحت مظلة واحدة، وهنا يبرز الدور الحاسم للمنظمة الإسلامية للأمن الغذائي (مقرها أستانا) التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي؛ باعتبارها الجهة الأكثر خبرة في الأمن الغذائي والأقدر على بناء منظومة موحدة للحلال. ويمكن للمنظمة وضع معايير موحدة لشهادات الحلال، وإنشاء نظام اعتماد مركزي معترف به دوليًا، وتوحيد التشريعات والإجراءات، وجعل شهادة الحلال شرطًا إلزاميًا لدخول أي منتج للأسواق الإسلامية. وبذلك يصبح الحلال منظومة قوية شبيهة بالكوشير، قادرة على فرض احترامها عالميًا، ويمنح الدول الإسلامية قوة اقتصادية وسياسية موحدة تجاه ازدواجية الغرب، والنتيجة سحب البساط من "الكوشير" أو المساواة في المعاملة.

إن ازدواجية الغرب في التعامل مع الكوشير مقابل الحلال ليست مجرد مسألة تجارية، بل قضية سياسية وتنظيمية عميقة.

وعندما تحترم متطلبات شريحة صغيرة من المستهلكين بينما يجري تجاهل معايير تخص أكثر من ربع سكان العالم، فإن هذا يعكس خللا كبيرًا في ميزان القوة.

والحل كما أشرنا يكمن في توحيد معايير الحلال تحت مظلة المنظمة الإسلامية للأمن الغذائي، وتحويله إلى قوة اقتصادية وسياسية موحدة تفرض على الشركات العالمية احترام معايير الحلال.

الأكثر قراءة

z